عبد القادر الجيلاني
128
فتوح الغيب
--> - إنما يستعملون المباحات إذا كانت طاعة لحسن القصد فيها ، والاستعانة على طاعة اللّه . وحينئذ فمباحاتهم طاعات ، وإذا كان كذلك لم تكن الأفعال في حقهم إلا ما يترجح وجوده ، فيؤمرون به شرعا أمر استحباب أو ما يترجح عدمه ، فالأفضل لهم أن لا يفعلوه ، وإن لم يكن فيه إثم ، والشريعة قد بيّنت أحكام الأفعال كلها . فهذا سؤال . وسؤال ثان ، وهو : أنه إذا قدّر أن من الأفعال ما ليس فيه أمر ولا نهي كما في حقّ الأبرار ، فهذا الفعل لا يحمد ولا يذمّ ، ولا يحبّ ولا يبغض ، ولا ينظر فيه إلى [ في نسخة : إلا ] وجود القدر وعدمه ، بل إن فعلوه لم يحمدوا ، وإن لم يفعلوه لم يحمدوا ، فلا يجعل مما [ في نسخة : من ما ] يحمدون عليه أنهم يكونون في هذا الفعل كالميت بين يدي الغاسل ، مع كون هذا الفعل صدر باختيارهم وإرادتهم ، إذ الكلام في ذلك . وأما غير الأفعال الاختيارية ، وهو : ما فعل بالإنسان ( بغير اختياره ) كما يحمل الإنسان وهو لا يستطيع الامتناع . فهذا خارج عن التكليف ، مع أن العبد مأمور في مثل هذا أن يحبّه إن كان حسنا [ في نسخة : حسنة ] ، ويبغضه إن كان سيئا [ في نسخة : سيئة ] ، ويخلو عنهما إن لم يكن حسنا ولا سيئا [ في نسخة : حسنة ولا سيئة ] ، فمن جعل الإنسان فيما يستعمله فيه القدر من الأفعال الاختيارية كالميت بين يدي الغاسل ، فقد رفع الأمر والنهي عنه في الأفعال الاختيارية ، وهذا باطل . وسؤال ثالث ، وهو : أن حقيقة هذا القول طيّ بساط الأمر والنهي عن العبد في هذه الأحوال مع كون أفعاله اختيارية ، وهب أنه ليس ( له ) هوى ، فليس كل ما لا هوى فيه يسقط عنه فيه الأمر والنهي ، بل عليه أن يحبّ ما أحبّه اللّه ورسوله ، ويبغض ما أبغضه اللّه ورسوله . قيل : هذه الأسئلة أسئلة صحيحة . وفصل الخطاب : أن السّالك قد يخفى عليه الأمر والنهي ، بحيث لا يدري هل ذلك الفعل مأمور به شرعا أو منهيّ عنه شرعا ، فيبقى هواه لئلا يكون له هوى فيه ، ثم يسلم فيه للقدر ، وهو فعل الرب لعدم معرفته برضا الرب وأمره وحبّه في ذلك الفعل . وهذا يعرض لكثير من أئمة العبّاد وأئمة العلماء ، فإنه قد يكون [ في نسخة : تكون ] عندهم أفعال وأقوال لا يعرفون حكم اللّه الشرعيّ فيها ، بل قد تعارضت عندهم ( فيها ) الأدلة أو خفيت الأدلّة بالكليّة ، فيكونون معذورين لخفاء الشرع عليهم . وحكم الشرع إنما يثبت في حقّ العبد إذ تمكّن من معرفته ، وأما [ في نسخة : فأما ] ما لم يبلغه ولم يتمكّن من معرفته ، فلا يطالب به ، وإنما عليه أن يتّقي اللّه ما استطاع . وهذا خطأ في العلم ، وليس خطأ في العمل ، وهو كالمجتهد المخطىء : له أجر على قصده واجتهاده ، وخطؤه مرفوع عنه . فإن قيل : فإذا كان الأمر هكذا ، فالواجب على العبد أن يتوقّف في مثل هذه الحال ، إذا لم يتبيّن له أن ذلك الفعل مأمور به أو منهي عنه ، وهو لا يريد أن يفعل شيئا لا مدح فيه ولا ذمّ ، فيقف لا يستسلم للقدر ، ويصير محلّا لما يستعمل فيه من الأفعال ، اللهم إلّا إذا فعل غيره فعلا فهو لا يمدحه ولا يذمّه ، ولا يرضاه ولا يسخطه ، إذا لم يتبيّن له حكمه . فأما كونه هو من أفعاله الاختيارية يصير مستسلما لما يستعمله القدر فيه : كالطفل مع الظئر ، -